الرئيسية / أقلام السيتي / من حدد سقف مطالب حراك الريف !

من حدد سقف مطالب حراك الريف !

أشعل مقتل محسن فكري طحنا داخل شاحنة لنقل النفايات شهر أكتوبر الماضي حركة احتجاج واسعة بمنطقة الريف، وسرعان ما تحولت هذه الإحتجاجات العفوية إلى حركة احتجاجية منظمة سعت إلى تحقيق مطالب اجتماعية وحقوقية بأحد المناطق الأكثر تهميشا بالمغرب. وبالرغم من أن حركة الإحتجاج هذه لم تعطى لها أهمية كبيرة منذ البداية ووصفها بعض المثقفين بأنها تفتقد إلى قيادة، فقد أبانت هذه الحركة التي اصطلح عليها فيما بعد “حراك الريف” عن نضج كبير تجلى في الأشكال الإحتجاجية الحضارية والراقية التي أبدعتها والتي حظيت باحترام أعداء الحراك قبل مناصريه، وبتوالي الأيام أفرز هذا الحراك قيادة حظيت بإجماع المشاركين في الحراك والمتعاطفين والمتابعين ويتعلق الأمر بالمعتقل ناصر الزفزافي.

بغض النظر عن الطريقة التي أدير بها الحراك والتخبط الذي أبانت عنه الدولة عندما أرادت تلفيق التهم لاعتقال قادته، يقف المتتبع الباحث في خبايا الأمور أمام قضية جوهرية تم إغفالها أو تغافلها سواء من مؤيدي الحراك أو من طرف ممثلي المخزن أو الدولة، ويتعلق الأمر هنا بمطالب الحراك، والتي يظهر لي من وجهة نظري البسيطة بأن الدولة شاركت في صياغتها بطريقة أو بأخرى، ولأوضح أكثر؛ فإذا كان القيمون على الحراك قد حددوا الحد الأدنى للمطالب فالدولة حددت الحد الأقصى.

مهلا إخواني الريفيين، لا تحكموا على النوايا بسرعة، فأنا لست هنا لتخوين الحراك ولا من أجل تبخيس الأعمال البطولية التي قام بها مناضلين أشاوس نساء ورجال، شيوخ وأطفال على مدار أكثر من نصف العام، ولكن أنا هنا من أجل القيام بقراءة بسيطة للتحركات التي قامت بها الحكومة المغربية والتي كنا عاطفيين في كثير من الأحيان حيالها، ولضعف تبصرنا اتهمنا هذه التحركات بالبلادة تارة والغباوة تارة أخرى.

تحرك الأغلبية الحكومية تحت وصاية وزارة الداخلية كان دقيق وموجه وذو أهداف محددة، وأقصد هنا التحرك الذي اتهمت خلاله الأغلبية حراك الريف بالإنفصال وبتلقي أموال خارجية، وهو التحرك الذي استبلدناه واعتبرناه خطوة غير محسوبة من أحزاب الأغلبية وبسرعة ردت قيادة الحراك ودعت إلى مسيرة الخميس السلمية وأعلن الحراك للدولة والعالم عن مطالبه الإجتماعية والإقتصادية والحقوقية، وأعلن الحراك النصر وتوالت التغريدات والمنشورات المستهزئة بالأغلبية الحكومية التي زكت ما اعتقدناه وسارعت إلى استنساخ موقفها السابق باجتماع آخر وتصريحات أخرى …

لكن التفكير العميق في هذه الخرجة التي أقدمت عليها الأغلبية الحكومية يؤكد بالملموس مع الإحساس بغبن شديد بأن الدولة هي التي حددت السقف الأقصى لمطالب حراك الريف.

مهلا إخواني المغاربة، أنا لست هنا لأقول بأن الحراك أخطأ المسار عندما لم يطالب بالإنفصال، وأطلب التريث وإعطائي الوقت للشرح مرة أخرى.

لقد ظهر جليا بأن الدولة استغلت تاريخ منطقة الريف والردود السريعة وغير المحسوبة وجعلت الحراك يختار ما بين الإنفصال وما بين المطالب الإجتماعية والإقتصادية والحقوقية، وببراءة أجاب الحراك أو قيادته، من أجل رفع التهمة، وهو ما لقي استحسان الحكومة نفسها وباقي المغاربة.

لكن، إذا فكرنا جيدا، ألم يكن هناك خيار آخر غير الإثنين؟ طبعا نعم، صحيح أن حراك الريف كانت لديه مطالب اقتصادية واجتماعية وحقوقية، ولكن أليس من حقه حمل مطالب سياسية، والمطالب السياسية لم تكن لتعني بالضرورة الإنفصال أو المطالب الفئوية، فالمطالب السياسية للريف هي بالضرورة المطالب السياسية لكل المغاربة، وهي المطالب التي تم الإلتفاف حولها أيام إخماد احتجاجات 20 فبراير، وهي المطالب السياسية التي تحدث عنها الزفزافي دون أن يدركها ليلة مقتل محسن فكري عندما قال لعامل إقليم الحسيمة بأن وعود الدولة لا يمكن الوثوق بها وبأننا في حاجة للضمانات.

الضمانات هي النصوص الدستورية والتشريعية التي بإمكانها أن تحدد بدقة المسؤوليات وتساهم في بناء المؤسسات، لكن وللأسف نجد معظم التدخلات والكتابات التي تناولت الحراك تجنبت الصواب وتمنت أن تحل هذه المشاكل بعصا موسى وتكون لدينا دولة قوية… ولا أحد تحدث عن الكيفية، فهذا محمد زيان يتحدث عن لجنة ملكية يكون هو من يترأسها، وهذا حسن أوريد يتحدث عن إطلاق سراح المعتقيلين جميعا لإبداء حسن النية… وكل هذا وبأسف شديد يظهر لنا قصور الرأية وسيادة منطق الإنتهازية والإرتجالية وحتى مبدأ التسولية إن صح التعبير، فإذا أرسلنا لجنة ملكية للتحاور مع أهل الريف، فكم سنحتاج من لجن للتفاوض مع باقي الحركات الإحتجاجية في باقي المناطق الأخرى، وإذا أطلقنا سراح المعتقلين بهدف وضع حد للإحتقان فمن سيطلق سراح كل معتقل أو مسجون مظلوم في كل ربوع هذا الوطن المكلوم…

باختصار، الدولة المغربية تستمر في الإلتفاف حول المطالب الشعبية وتجنب الخوض في الإصلاحات الحقيقية التي من شأنها بناء الديمقراطية، وحراك الريف فرصة ذهبية أخرى لإرساء دعائم الديمقراطية الحقيقية وليس العكس كما يحاول أن يبين لنا البعض، فبدل توجيه مطالب الحراك لما يخلص الدولة من عقدة الذنب اتجاه هذه المنطقة يجب توجيهها لما فيه مصلحة البلاد والنظر إليها بأنها فرصة تاريخية يجب استغلالها.

مقالات الرأي تعبر عن آراء أصحابها و ليس عن رأي الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*