الرئيسية / أقلام السيتي / دوري راس لقصر لكرة القدم من القبلية إلى المجتمع – الجزء الأول

دوري راس لقصر لكرة القدم من القبلية إلى المجتمع – الجزء الأول

نور الدين الكامل

منذ سنة 2013 وجمعية راس لقصر للرياضة والتنمية الاجتماعية تعمل على تنظيم دوري محلي لكرة القدم بالجماعة الترابية راس القصر التابعة لإقليم جرسيف، خلال العطلة الصيفية التي تعرف تواجد عدد كبير من أبناء المنطقة هناك، من موظفين وتلاميذ وطلبة ..، ويطلق على هذا الدوري ” دوري راس القصر لكرة القدم ” الذي أصبح اليوم يحظى باهتمام بالغ لدى ساكنة المنطقة، وبات يعرف متابعة و حضورا جماهيريا لا بأس به.

وتعود الإرهاصات الأولية لهذا الدوري إلى أواخر ثمانيات القرن الماضي، حين كان هذا الدوري يلعب في شكل بطولة بين فريقين أو ثلاثة من دواوير مختلفة يجتمعون في ملعب إحدى الفرق ويتبارون عن نيل الجائزة والمتمثلة في مبلغ مالي يتم جمعه من طرف الفرق على لاعبيها (في البداية كانت الدرهم والدرهمين، والخمسة دراهم تفي بالغرض)، وما تزال هذه القاعدة العرفية النبيلة المتمثلة في جمع جائزة الدوري من طرف الفرق المشاركة قائمة إلى يومنا هذا؛ حيث ارتأت الجمعية المستحدثة للسهر على تنظيم هذا الدوري عدم إزالتها لعدة أسباب يبقى أهمها ذلك الإحساس الذي تولده في نفوس المشاركين باعتبارهم محورا وجزءا لا يتجزأ من الدوري والعملية التنظيمية على حد سواء. ويشارك حاليا في النسخة الرابعة من دوري راس القصر لكرة القدم 20 فريقا يمثلون مختلف دواوير الجماعة الترابية راس القصر، وانطلقت المنافسة يوم 24 من يوليوز الحالي.

  • دوري راس القصر لكرة القدم من القبلية إلى تظاهرة محلية        

ظهرت الشرارة الأولى لدوري راس القصر لكرة القدم في أواخر ثماننيات القرن الماضي وتقريبيا في سنة 1987، حيث كان ينظم في شكل مواجهات مباشرة بين  شباب الدواوير، ويكسب الفائز من تلك المواجهة أو المواجهات مبلغ مالي رمزي يساهم المشاركون في جمعه عن طريق فرض كل فريق جزء من المبلغ الملزم به على لاعبيه؛ وعموما يمكن إجمال مراحل هذا الدوري في ثلاث مراحل أساسية ساهمت في وصوله إلى ما هو عليه اليوم.

المرحلة الأولى: وهي مرحلة الدوري-القبيلة، ففي هذه المرحلة كان الدوري تطبعه القبيلة بطابعها فكانت الفرق تتواجه فيما بينها باسم القبيلة -وحتى إن لم يكن ذلك ظاهر للعيان وتكرس تلك الثقافة التي كانت سائدة آنذاك في بلادنا كله- وتتحكم فيها مسلمات الاستيلاء، والسيطرة، والسطوة؛ ومن ثم قوة القبيلة وسيادتها وسيطرتها على الموارد الطبيعية كالمراعي والأراضي الخصبة، وخير مثال نسوقه على هذا هو المواجهات التي كانت تتم بين عرقين مختلفين من دوار واحد كقمريات و آيت الزاوشت من دوار سيدي امبارك، حبث أن نتيجة مباريات كرة القدم بينهم كانت تحسم أمورا كثيرة في مخيلة الشباب المتباري، فالفوز يعني ودون أدنى شك سيطرة هذا العرق أو ذاك على الدوار واعتباره رئيسا له وذلك تماشيا مع مبدأ القوة السبيل الوحيد للمجد.

لكن ومع اضمحلال هذه الثقافة القبلية باستقرار المغرب، و إحكام السلطة الحاكمة قبضتها على السلطة واقتلاع جذور -الفتنة- التي ميزت مغرب الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وصولا إلى التسعينيات التي قطعت مع عهد التفرقة والتشرذم بحكومة التناوب التي قادها الاشتراكيين، وقبله من ايلاء أهمية كبرى للبوادي المغربية ونشر ثقافة التعاون والتآزر من أجل مستقبل الجميع. هذه الإحداث وإن كانت تبدوا بعيدة كل البعد عن موضوعنا هذا، إلا أنه يمكن القول أنها كانت لها دور مهم في تحول نظام القبلية في المغرب من التناحر إلى التآزر.

يؤكد ظهور دوري لكرة القدم في راس القصر على التحول الذي طرأ على القبيلة والبادية المغربية عموما، ففي أواخر التسعينيات نحى هذا الدوري منحى آخر رغم بقاءه في ضل وضعية القبيلة المومأ إليه آنفا، أصبحت مباريات كرة القدم في راس القصر تتم في نفس الإطار لكن مع قليل من التغيير نحو المستحسن أو إلى جانب كرم القبيلة فصارت مباريات كرة القدم بمثابة عرس تقام فيها ولائم تزكي مركز الفريق-القبيلة في سلم القبائل لشيوع الكرم عنها، فكان آيت ادريس يكلفون أنفسهم عناء التنقل إلى آيت دمال للعب مباراة كرة القدم وكانوا المستقبلين يكرمون الفريق الضيف بإقامة حفلة عشاء وذبح الذبائح.

المرحلة الثانية: وتشمل الشق الثاني من المرحلة السابقة المتمثل في كرم الفريق-القبيلة مع ظهور عنصر جديد ساهم في تحسن مستوى فكرة الدوري، وهو المدرسة وانتشارها الواسع في النطاق الجغرافي لراس القصر وبذلك ظهرت قيم التسامح لدى شباب المنطقة، ونتج عن ذلك الفريق-القبيلة-المتسامح.

فالمدرسة التي تشكل في مخيلة الجميع مؤسسة المخزن التي يحق للجميع الاستفادة منها، إضافة إلى سياسة تشييد المدارس والتي تقوم على بناء المدرسة في مكان يسمح لعدد كبير من الدواوير بالاستفادة منها؛ ساهمت بشكل كبير في خلق تآلف بين شباب مختلف دواوير المنطقة منذ الصغر في سن لا يعرفون فيه معنى القبيلة أو الفخدة، الشيء الذي نتج عنه وخارج نطاق المدرسة صداقات شبابية لا تعرف للنعرات القبلية معنى. فمثلا مدرسة قمريات التي يستفيد من خدماتها كل من اللوزة والسطح كيني و روشن والسكاكية بدرجة أقل، تجمع بين أطفال هذه الدواوير التي يحتوي كل منها على عرق قبلي أو أكثر ويتعلمون قيم ومبادئ التسامح التآخي. فكيف إذن لنا أن نتحدث عن القبلية في ضل هذا الجو؟. إضافة إلى أن المعلمين كانوا يساهمون في إجراء مباريات كرة القدم بين الدواوير ويشيدون الملاعب؛ فعلا سبيل المثال ملعب اللوزة (قمريات) شيد من طرف المعلم في سنة 1997، حيث كان هذا الأخير يقوم بزيارة بين الفينة والأخرى إلى مركز المدرسة المتواجد في دوار آخر هو أبياض فقام بدعوة شباب ذلك الدوار للعب مباراة كرة القدم في اللوزة، وحينما قدم الشباب المدعو لم تستوعب ساحة المدرسة الفريقين المتباريين مما حذا بالمعلم الذي كان يحظى باحترام وتوقير في الدوار إلى التفكير في إنشاء ملعب للدوار بأكمله وهو الأمر الذي كان له من شباب الفريقين اللذين لم يتوانون في تقديم المساعدة وقاموا بإزالة ما يعيق سير الكرة وبذلك شيدوا ملعبا لكرة القدم ما يزال قائما إلى يومنا هذا.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة رد الاعتبار للبادية المغربية عموما ومنطقة راس القصر خصوصا، حيث استفادت المنطقة من تعبيد طريق إسفلتي يربطها بمدينة جرسيف، وهذا الطريق بقدر ما فك العزلة عن المنطقة وربطها بالعالم الحضري بقدر ما فك العزلة المحلية القائمة بين الدواوير المشكلة للجماعة، حيث ظهرت هناك وسائل النقل المختلفة تربط الدواوير فيما بينها؛ ولعل المكان الذي تقام فيه مباريات الدوري حاليا خير شهيد على ذلك –دوار تيفيراسين الذي يتوسطه الطريق المعبد-.

إضافة إلى كل ما ذكرنا يبقى لنا أن نشير إلى الدور الذي لعبه إحداث كلية متعددة التخصصات بمدينة تازة والقريبة جدا من المنطقة محل الحديث، حيث ساهمت هذه الكلية في الرفع من المستوى العلمي والثقافي لشباب راس القصر، فبعد أن كان الشباب القروي هناك من ذكور وإناث يقتصرون في تعلمهم على مستوى الشهادة الابتدائية، وفي وقت لاحق على مستوى الباكالوريا، أصبحوا ومنذ إحداث الكلية المذكورة سنة 2003 يصلون إلى المستوى الجامعي ونيل شهادة الإجازة؛ ونكاد نجزم القول أن كل دوار من دواوير راس القصر اليوم يتواجد فيه شباب وآباء وأمهات حاصلون على شهادة الإجازة الأساسية.

هكذا نكون أجملنا الحديث في هذا الجزء الأول بطريقة جد مبسطة أخذت من العموميات ما أخذت وتركت ما تركت عن أهم العوامل التي ساعدت على انتشار ثقافة دوري كرة القدم في منطقة راس القصر القروية؛ فما أصبنا فيه فمن الله عز وجل وما جانبنا فيه الصواب من قصر بصيرتنا، ونسأل الله السداد والتوفيق.

ونود أن ننبه إلى أن الأخطاء والتحريفات والأوهام من عادات كل كتابات الإنسان الذي يعوزه الكمال، فرحم الله من صحح أخطائنا وسدد خطانا ونبهنا إلى كل ما يراه محرفا عن أصله، وكيف لا يحصب ذلك وقد اعتمدنا على النقل من الأفواه، فالسهو وارد منا أو من المخبرين أو منا معا.

* طالب باحث في العلوم القانونية بكلية الحقوق فاس.

إلى اللقاء في الجزء الثاني والموسوم بـ: دوري راس القصر من المجلس الجماعي إلى الجمعية  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*